عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

24

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

في نهاية التصديق ، وبيانه مختصرا أن أهل الدنيا يخرج بعضهم بعض ماله في بعض أعمال البرّ ، وهو يحبّ كثرة المال واتساعه ، ويتعرّض للفتنة ويشغله عن أنواع الطاعة ، والزهاد خرجوا عن الكل للّه تعالى بالفعل والنية بغضا للدنيا وتفرّغا للطاعات السنية ، وجمعوا بين العبادات القلبية والبدنية والمالية ، واطلع الحقّ سبحانه وتعالى على قلوبهم ، فلم يجد فيها حبا لغيره ، فأكرمهم بقربه ، ووهب لهم ما لا تفهمه العقول من فضله وخيره ، اللهمّ لا تحرمنا خيرك لشرّنا ، وهب لنا من فضلك العظيم ، واجعل بك شغلنا بجاه نبيك محمد الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، إنك الملك المنان ذو الفضل العظيم . فهذه قطرة من بحار فضائلهم اقتصرت عليها ، وإن يكن في بعض الأحاديث التي ذكرتها ضعف ، ففي الأحاديث الصحيحة كفاية . منها قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » أخرجاه في الصحيحين كما ذكرنا ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبرّه » أخرجاه أيضا في الصحيحين كما تقدم ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « قمت على باب الجنة ، فكان عامة من دخلها المساكين ، وأصحاب الجدّ محبوسون » أخرجه مسلم في صحيحه كما مضى ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام » أخرجه الترمذي في جامعه ، وقال : حديث حسن صحيح كما ذكرناه ، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة ، ويكفى حاله صلّى اللّه عليه وسلم وما كان عليه من النظر ، ورفض الدنيا كما هو مشهور في الأحاديث ، وكذلك حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء والسلف الصالحين رضى اللّه عنهم * وقال الإمام الكبير العارف باللّه الخبير ، المحقق الورع الشهير أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي رضى اللّه عنه ، بعد أن ذكر العلماء المائلين إلى الدنيا : يزعمون أن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم كانت لهم أموال ، فيحتجّ المغرورون بذكر الصحابة رضى اللّه عنهم ليعذرهم الناس على جمع المال ، وقد دهاهم الشيطان وما يشعرون ، ويحك أيها المفتون احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه مكيدة من الشيطان ، ينطق بها على لسانك لتهلك ، لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة رضى اللّه عنهم أرادوا المال للتكاثر والشرف والزينة ، فقد اغتبت السادة ونسبتهم إلى أمر عظيم ، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه ، فقد أزريت بسيدنا